الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

247

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تفرقوا كما سيأتي في سورة سبأ . وأطلق هذا الاسم هنا على ديارهم لأن مِنْ ابتدائية وهي لابتداء الأمكنة غالبا . فاسم سَبَإٍ غلب على القبيلة المتناسلة من سبأ المذكور وهم من الجذم القحطاني المعروف بالعرب المستعربة ، أي الذين لم ينشئوا في بلاد العرب ولكنهم نزحوا من العراق إلى بلاد العرب ، وأول نازح منهم هو يعرب ( بفتح التحتية وضم الراء ) بن قحطان ( وبالعبرانية يقطان ) بن عابر بن شالخ بن أرفخشد ( وبالعبرانية أرفكشاد ) بن سام بن نوح . وهذا النسب يتفق مع ما في سفر التكوين من سام إلى عابر ، فمن عابر يفترق نسب القحطانيين من نسب العبرانيين ؛ فأما أهل أنساب العرب فيجعلون لعابر ابنين أحدهما اسمه قحطان والآخر اسمه ( فالغ ) . وأما سفر التكوين فيجعل أنّ أحدهما اسمه ( يقطن ) ولا شك أنه المسمى عند العرب قحطان ، والآخر اسمه ( فالج ) بفاء في أوله وجيم في آخره ، فوقع تغيير في بعض حروف الاسمين لاختلاف اللغتين . ولما انتقل يعرب سكن جنوب البلاد العربية ( اليمن ) فاستقر بموضع بنى فيه مدينة ظفار ( بفتح الظاء المشالة المعجمة وكسر الراء ) فهي أول مدينة في بلاد اليمن وانتشر أبناؤه في بلاد الجنوب الذي على البحر وهو بلاد ( حضرموت ) ثم بنى ابنه يشجب ( بفتح التحتية وضم الجيم ) مدينة صنعاء وسمى البلاد باليمن ، ثم خلفه ابنه عبّشمس ( بتشديد الموحدة ومعناه ضوء الشمس ) وساد قومه ولقب سبأ ( بفتحتين وهمزة في آخره ) واستقل بأهله فبنى مدينة مأرب حاضرة سبأ ، قال النابغة الجعدي : من سبأ الحاضرين مأرب إذ * يبنون من دون سيله العرما وبين مأرب وصنعاء مسيرة ثلاث مراحل خفيفة . ثم جاء بعد سبأ ابنه حمير ويلقب العرنجج ( أي العتيق ) ، ويظهر أنه جعل بلاده ظفار بعد أن انتقل أبناء يشجب منها إلى صنعاء . وفي المثل : من ظفّر حمّر ، أي من دخل ظفار فليتكلم بالحميرية ، ولهذا المثل قصة . فكانت البلاد اليمنية أو القحطانية منقسمة إلى ثلاث قبائل : اليمنية ، والسبئية ، والحميرية . وكان على كل قبيلة ملك منها ، واستقلّت أفخاذهم بمواقع أطلقوا على الواحد منها اسم مخلاف ( بكسر الميم ) وكان لكل مخلاف رئيس يلقب بالقيل ويقال له : ذو كذا ، بالإضافة إلى اسم مخلافه ، مثل ذو رعين . والملك الذي تتبعه الأقيال كلها ويحكم اليمن